هموم الحياة ترمي البشر في أتون الكآبة والهلوسات والهذيان

الحياة

بيروت-رانيا برو

في تفسيره لظاهرة استجلاب الشباب للهلوسة والهذيان، يلقي علم الاجتماع باللوم على الفقر والبطالة وانسداد آفاق المستقبل وانعدام الأمن وغياب فرص الترفيه والتدريب وغيرها. في المقابل، يتحدّث علم النفس عما يجتاح نفوس الشباب من يأس وإحباط وشعور بالقهر في بلاد تزخر بالثروات المنهوبة التي تسيطر عليها أقليات سلطوية تتنعم برغد الحياة وهنائها، فيما يرمى 80 في المئة من شعوبها في أتون الصراعات والحروب والفتن والعوز.

ووفق التفسير الطبي، يعتبر الفُصام Psychosis من أكثر الأمراض النفسيّة خطورة وقد يؤدي إلى التفكك والتدهور، ويتميز بشكل أساسي بالهلوسات Hallucinations والهذيان Delusions، مع اضطرابات وجدانيّة وفكريّة. ويُسمّى الفُصام باسم «الذُهان» أحياناً، و»انفصام الشخصيّة» في أحيان أخرى، كما يشيع ربطه بمصطلح «شيزوفرينيا» Schizophrenia، وهي كلمة تعني «الشخصيّة المنفصمة» بمعنى التفكك بين مكوّناتها أيضاً.

ويصف البروفسور ميشال هانوس في كتابه «طب نفس الطالب»، الهذيانَ بأنه تشويه ذاتي للواقع، مترافق مع قناعة المريض العميقة به. «يمثل الهذيان أفكاراً خاطئة لكنها غير قابلة للتصحيح، بل إن المريض لا يضعها موضع الاختبار، بل ويتمسك بها بقوة كبديل عن الواقع الخارجي».

وبلور مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد (1856-1939) والطبيبان كورت شنايدر (1887-1967) وإميل كريبلين (1856-1926) تصنيفات للأمراض النفسيّة واضطرابات الشخصيّة Personality Disorders. ويجب التشديد على عدم الخلط بين «انفصام الشخصيّة»، وهو مرض فُصامي/ذُهاني شديد القوّة، و «اضطراب الشخصيّة» الذي يصف أحوالاً نفسيّة ترتبط بالفرد وبيئته وتربيته ومسار حياته وغيرها.

أعراض في المراهقة وبعد الولادة

تظهر أعراض اضطراب الشخصيّة، وفق رئيس قسم الطب النفسي في كلية الطب في الجامعة اللبنانية الدكتور وديع نجا، في فترة المراهقة، كما يختلف انتشارها عند النساء والرجال.

وليس هناك كثير من الدراسات العلمية عن علاج اضطرابات الشخصيّة. وترتكز العلاجات، وفق نجا، على الأدوية المضادة للفُصام أو الهذيان، والعقاقير المعدّلة للمزاج، وعلاجات نفسيّة وسُلوكيّة- معرفيّة متنوّعة. وتزيد اضطرابات الشخصيّة من خطر حدوث أمراض نفسيّة أخرى كالاكتئاب والإدمان وغيرها.

وفي سياق مؤتمر متخصّص نظّمته في بيروت «الجامعة اللبنانيّة» و«جامعة القديس يوسف» أخيراً، أوضح نجا أن الهلوسات هي تجربة غير مفهومة، وتصاحبها مشاعر كالاستعجال واليقين. وبيّن أن الهلوسة والهذيان هما من أعراض الانفصام والاضطرابات الذُهانية، وكذلك يشكّلان جزءاً من اضطرابات المزاج أيضاً». وكشف أن أكثر من نصف المرضى الذين يعانون اضطراب «الكآبة الثنائية القطب» Bipolar Depression، ربما تظهر عندهم أعراض ذُهانية أيضاً».

وناقش المؤتمر اضطراباً وجدانيّاً مهمّاً هو «اكتئاب ما بعد الولادة»Post Partum Depression الذي يعاني بعض حالاته من الهذيان والهلاوس إذا لم يعالج. وفي أغلب الأحيان تظهر أعراض «اكتئاب ما بعد الولادة» خلال أسبوعين من الوضع. وفي الحالات الشديدة، يترافق الاضطراب مع هلاوس سمعيّة وأفكار هذيانيّة توحي للأم بوجود من يريد إيذاءها أو الحاق الضرر بطفلها.

وفي بعض الحالات، تتفاقم الحال إلى درجة أن تؤذي الأم نفسها أو طفلها، كما يصل بعضهن إلى الانتحار إذا لم يجر علاجهن.

في المقلب الآخر من الصورة، يعاني كثير من النساء (60%- 80%) تقلّباً مزاجيّاً خفيفاً نسبيّاً، بعد الولادة، إذ يشعرن في لحظة ما بالسعادة، لكنهن ينخرطن في البكاء لأتفه الأسباب أو من غير سبب. ولا توجد إحصاءات أو نسب مؤكدة في الدول العربية عن ذلك الاضطراب، على رغم الاعتقاد علميّاً بأنه منتشر.

وفي المؤتمر عينه، أشارت الدكتورة النفسانية شارلين الهاشم، إلى أن «واحدة بالألف من النساء تعاني اضطرابات فُصاميّة- ذُهانية بعد الوضع»، لافتةً إلى أن «الاضطراب الذُهاني بعد الولادة ربما يأتي من انتكاسة عائدة إلى اضطراب نفسي سابق، خصوصاً الفُصام واضطرابات المزاج الذُهانيّة». وأشارت إلى أن هذا الاضطراب الذُهاني ربما يترافق مع التفكير بالانتحار أو بقتل الأطفال، مشدّدة على ضرورة الرصد المبكّر لأعراض تلك الاضطرابات.

وأوضحت أن هـــذه الاضطرابات «تظهر بعد أسبوعين أو أربعة أسابيع من الوضع، بالترابط مع تغيّر الهرمونات بعد الوضع. وشدّدت على أهميّة النوم للأم بعد الوضع. وبيّنت أن اثنتين من كل ألف امرأة يعانين «اكتئاب ما بعد الولادة» ينتهي الأمر بهما إلى الانتحار بطريقة عنيفة.

اعتلالات الطفولة

وكما الأم، يكون الأطفال عرضة لاضطرابات نفسيّة شتى، بينها الذُهان، إذ تتوافر مؤشرات ذُهانية في مروحة من الاضطرابات النفسيّة التي ربما تصيب الأطفال والمراهقين، بدءاً من الانفصام الطفولي مروراً بالاضطرابات المتعلقة بمرض التوحّد Autism مروراً باضطرابات المزاج والإدمان.

وكشفت دراسات حديثة حول المجتمعات الرأسمالية الحديثة، أن معظم الأطفال والأحداث الذين ينتمون إلى أسر عاملة يكتسبون حالات التوتر والقلق التي تعكسها ظروف العمل ونوعية الوظيفة على حياة الأبوين العاملين.

وبيّنت تلك الدراسات أن واحداً من خمسة أطفال في أوروبا يعاني الكآبة والإعياء النفسي، وأن واحداً من عشرة مراهقين يحاول الانتحار بسبب تراكم الضغوط عليه في المدرسة والبيت.

وفي المؤتمر البيروتي، أوضح باحثون وعلماء نفس أوروبيون أن نسبة من الأطفال يصيبهم اضطراب نفسي لكنهم يتغلبون على المشكلة، في حين يقع آخرون فريسة القلق عندما يتعرضون للضغوط. وأضاف أولئك العلماء أن التوجّهات الماليّة والإعلانات الحديثة عن العمل والتجارة، قلّصت المفهوم الإنساني لدى الأطفال وحوّلت تفكيرهم إلى المادية بكل أشكالها، ما يزيد مشاعر الإحباط والكآبة كما يضاعف مخاطر الإدمان على الكحول والمخدرات.

وتحدثت البروفيسورة أنيسة أبي ضرغم، وهي أستاذة طب النفس والطب الإشعاعي في جامعة «كولومبيا» الأميركية، عن دوائر عصبية في الدماغ تكمن وراء الذُهان. واستندت في ذلك إلى نتائج دراسات حديثة أجرتها بنفسها لكنها لم تنشر بعد في الولايات المتحدة.

وقالت: «في السنوات العشر الأخيرة، أظهرت دراسة الصور الإشعاعية للدماغ مع التصوير المقطعي البوزيتروني، أن الانفصام يتلازم مع تغيّرات في تدفّق مادة كيماوية في الدماغ اسمها «دوبامين» Dopamine.

وتكون تلك التغيّرات مرتبطة باضطرابات ذُهانيّة، عندما تحدث في مناطق محدّدة في الدماغ».

الجمعة، ١٣ يونيو/ حزيران ٢٠١٤

http://www.alhayat.com/Articles/2933206/هموم-الحياة-ترمي-البشر-في-أتون-الكآبة-والهلوسات-والهذيان

Advertisements

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s