سكّان الفايس بوك!

 

أصبح الأمرُ أبعد من مُجرّد الجلوس أمام الشاشة، تلك أجسادٌ لازالت تحلّ في الفيزيائي. دخلوا عالما وصنعوه بكلّ شيء: أعلُنوا حكومات وزعامات، واعتصموا وقرّروا وهتفوا.. قادوا انقلابات أو انتخبوا برلمانات.. لبسوا وتعرّوا.. أحبوا وكرهوا.. صلّوا وحجّوا إلى كلّ حجر (إلكتروني).

سكّانُ الفايسبوك، حتى من تعرف منهم في حقيقة الدُّنيا أصبحت لهُ نُسختُهُ في تلك الدُّنيا الجديدة، قد تكون مثله أو أقلّ أو أكثر، وقد تهربُ النُّسخةُ من أصلها لتعيش حياة أُخرى حيثُ المُمكنُ مع الأصل استحال، فتَسْتَحيلُ إلى ما يُمكن من الأمل أو الحُلم (أو عذابات اليأس والإحباط والعويل).. وحيثُ المكبوتُ يخرجُ من طبقاته أو من طبقات السُّلطات التي تُحاصرُ الأصلَ في فضاء الأُكسجين.

***

الجميعُ يدخُلُ مُدُنَ الفايسبوك ليلا أو نهارًا. وعلى الأسوار لكلّ كلمة سرّ، هي السرُّ الوحيد. وكما في الحُلم تماما يتذكرون ما كان من أيّامهم ويعترفون (أو يكتمون فضحا)، ويُنشدون بغير أصواتهم. ويضحكون ويتفكّهون. ويحضرون الأفراح، ويدخلون للعزاء.

وككُلّ المُدن، ثمة سكّان أصليون في مدن الفايسبوك، ومهاجرون ونازحون يتعثرون في أنهجها وينبهرون بحسانها، ويستحسنون قول الخطباء، ويضحكون لكلّ نكتة، ويُكثرون من الوقوف للتعارف (وإرسال القُبل والصلوات على النبي).. وفي الفايسبوك عابرون كثر، يمرّون تحت كلّ “جدار” ويتلصّصون على كلّ “نافذة”، منهم فضوليون (بينهم عسس)، ومنهم عسس يحرسون الحاكم أو الأخلاق أو الرّسُل أو الله.. الله موجود أيضا في كلّ سماوات الفايسبوك، وهنالك أيضا من يُعلن ضدّه الثورات لأنه لم يصنع أيّا من أراضي الفاسبوك ولا سماوات الفايسبوك، ولا هو من طين خلق كائناته، (هكذا فكّروا، ولم يطالبوا بقتله فلا علاقة له بأمر هناك، فقط تسرّب في “أحلام” عدد لا يُحصى من السكّان)..

***

وفي مُدن الفايسبوك العربية، كلّ ما تعرفون عن مُدن العرب مع ابتكارات جديدة. وتلك لعنة التقنية حين تحلّ على قومٍ قبل أوانها، وقبل أن يكون عقل الحداثة نُطفةً (أو قبل أن يهمّ شيءٌ ما بشيء(ة) ما، في التاريخ)، كأن يزرع فكرٌ حياةَ عقلٍ مُمكن في رحم ثورة (ممكنة)…

عربُ الفايسبوك رُحّل اقتطعوا خريطهم على هذه الأرض فكانت نُسخة من تلك التي نعرفها في جُغرافيا الأكسجين. ولا أعرف تحديدا لماذا لم يختاروا الألسكا مثلا؟ فربما يغيّر الطقس البارد من أمزجتهم، وربما لن تسمع منهم: “أثلجت صدري”، مُطلقا. وقد كان من الممكن أن تكون على خطّ الاستواء فتذهب الصحراء عن تاريخهم الافتراضي (ولم يكن أحد ليمانع، ولن يعتبر الأمر احتلالا).

وعرب الفايسبوك هاربون، أعرف منهم من هو هارب من حاكم جائر لم يترك له ربع ورقة في حجم الكفّ ليقول ما يريد. وأعرف فتاة تهرب من أبيها وإخوتها لتملأ عينها بصور الرجال، وتخرج عليهم في الصور، وتعانق من تحب. في الفايسبوك بإمكانها أن تقول ما تشاء من غزل. وسألت زائرة محجبة شيخها عندما عادت من زيارة “فايسبوكيّة”: ما حُكم القبلة في مدن الفايسبوك؟ ولم أعرف ردّه على كلّ حال.

***

في “الفايسبوك” يتنكّرون كما يشاؤون، أو يظهرون أكثر ويعدّدون صورهم حتى يحسدهم كل جنرالات الحكم.

وفي “الفايسبوك” يمكن أن يُصنع زعيمُ أو زعيمة فيعود إلى الواقع الذي نعرف وفي نفسه ما عُرف عنه هناك ويتكلّم نفس اللغة حتى أنك تشعرُ أنه يضغط على أزرار كلّما تحرّك أو تكلّم. والغريب أنّ الأمر كثيرا ما يؤخذ على محمل الجدّ في هذه البلاد التي نعيش، وتفتح للزعيم الجديد المنابر ليتلعثم كما شاء ويصفق له جمهور من لحم ودم.

ثمة أيضا كتّاب وشعراء ومفكرون خرجوا من بعض “الالكترونيات الفايسبوكية” وأصبحت لهم ذوات واقعيّة، وطالت قاماتهم تحجب النجوم… وأعرف (صدقا) من غيّر تاريخه كلّه عندما سكن الفايسبوك، وأصبح يعود إلى شوارعنا بوجهه الجديد وكلّ من حولي يُصدّقون، وقد كانوا يعلمون.

***

في الفايسبوك بدأت الشعوب العربية المسيرات والاعتصامات، وهي تخرج منه لتعود إليه…

في الفايسبوك كانت الشعارات الأولى، والمسيرات الأولى، وبعض الأحلام بدأت افتراضية في الافتراضي.. وأول قنابل الغاز، وأول الرصاصات أُطلقت على الفايسبوك، قبل أن يُصبح خشبة مشتركة بديلة للّغة الخشبية التي قتلنا بلكنتها الحكام: فوضى “القيل والقال”، ونداءات خروج الكلّ على الكلّ..

***

في الفايسبوك يمكن أن تقيم الصلاة في أي ركن، فكلّه أرض طاهرة. ولا مشكلة أن تنشر فخذين مكتنزين ونهدين بارزين وتردفهما بعبارة: “الله أكبر”.

أما الأحقاد، هناك، فأكبر (حقيقة)، فلا قانون يجرّم التحريض على القتل. والأسلحة منتشرة بكلّ أنواعها، يمكن أن تشهرها حتى جماهير الكرة.

وفلسطين سيحرّرها عرب الفايسبوك قريبا. ولو كانت كلّ دعوات النصر تصل إلى ربّ في سمائنا لسئم الأمر.

***

سكّان الفايسبوك تعرفهم من تغيير صورهم، ومن الأغاني التي يسمعون، ومن النصوص التي يقرؤون، ومن الناس الذين يمدحون، ومن الجلوس لساعات خلف الشاشة.

سكّان الفايسبوك لا تعرفهم، إنهم يتبدلون ويتغيرون ويتلونون ويأخذون كلّ شكل.

سكان الفايسبوك لا يدومون، وأنا ذاهب (الآن) إلى المقهى لأسمع ضحكة النادل العجوز.

 

 

بقلم: سمير بوعزيز

Advertisements

Leave a comment

Filed under Arab world, lebanon, My words mes mots, Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s