جماليّــــــات

أنسي الحاج
نظراتُ المرأة تعتذر عن كون باقي جسدها بشريَّاً.
■ ■ ■
يستعير الجمال أشكالاً زواليّة أو جامدة عندما يغادر مصدره. نيازكُ وجُزَيئات تنفصل عن وطنها الأمّ وتزورنا لثلاثة أسباب: الأوّل كي تترك المجال لسواها أن يولد فوق الجذع، الثاني أن تُبارك حواسنا، والثالث أن ترطّب شفاهنا بقطرة من إكسير الجمال المُطْلق، وتُنشّط في عروقنا لهبَ جوع كان يمكن أن ينطفئ لولا هذه الومضات. النظامُ الهائل الذي يَحْكمنا أرأفُ ممّا نظنّ.
■ ■ ■
يختبئ الإلهيّ في الجسدي كما تختبئ الشمس في الظلال.
■ ■ ■
كان موزار يقول: «أبحثُ عن النوطات التي تتبادل الحبّ». جمالُ هذه الموسيقى يُدهش لا لأنّه يعرّفنا على عالم جديد بل لأنه يعود بذاكرتنا إلى تطلّعات قديمة في نفوسنا نحو انعتاق من خوف أو رجاء بانفراج، فإذا بتلك الآمال تتحقّق لمجرّد سماعنا هذه الموسيقى. ألحانٌ كألحان موزار تُرى بقَدْر ما تُسْمَع. الجمالُ وفاءٌ بوعد قطعناه مع الشوق أو قطعه الشوق لنا. الشوقُ ضوءُ العالم. ضوءٌ يحمله القنديل على مدار الأنفاس. هذا القنديل هو الذي ينير الدرب وهو الذي، بمحض وجوده في القلب، يضرب موعداً مع اللقاء بجمال يَبْهر نورُهُ ضوءَ القنديل البسيط الذي لم يكن سوى بطاقة دعوة صغيرة إلى الاحتفال.
■ ■ ■
يقترب الجمال ويظلّ بعيداً، ويتراءى من وراء الغيوم كأنه استقرّ بين اليدين. عندما تنام الشمس يشرق حنينها. عندما ينسحب الليل تتلمّظ الشفاه ببقايا كأسه.
صوت فيروز. أوّل ما تسمعه يهتف قلبك: هذا هو! وتظنّه لك، يذوب لك، يُذيبك أنت، أنت بالذات، لا يغنّي إلّا لك! أقرب منك إليك. أقرب من دمك وأنفاسك. أقرب منه هو إلى صاحبته! منه هو إلى نفسه!… ولا مرّة كانت لحظات غنائيّة معدودة، مشحونة بهذا القَدْر. لكنَّ التجلّي الأقرب يظلّ مع هذا بعيداً. أمام روحك، في داخل روحك، وبعيد. بعيدٌ كالوقت الذي يَفرغ منك. بعيدٌ لأنّ الجمال الجمال، الجمال الموجع، يعطي ولا يؤخذ، يَمتلِك ولا يُمتلَك، يراود ولا يستسلم، يفتح لكَ آفاقاً غير محدودة ويستعصي على استملاكك. يعطيك الجمالُ شعوراً غامراً بالشوق، باللانهائيّ، بما لا يوصَف، لكنّه يَحْرمك بلوغ نهايته. تنصرف فيروز عن المسرح فيركض قلبك وراءها. صوت فيروز معك في السيّارة، عندك في البيت، في الأشرطة والأسطوانات والأقراص والأفلام، في الذاكرة، في الخوف والفرح، لكنه لا، ليس هذا هو كلّ صوتها، ولا حتّى بعضه. إنّه حيلة، منام، خداع، مجرّد رشفة من الرحيق، رشفة خاطفة، لم تُشبع في النفس جوعاً بل أيقظتها على رغبتها المستحيلة بالرحيق. كانت ظامئة دون أن تدري، ودون أن تدري إلى ماذا. دون أن تعرف أنّ هناك ما قد يجاوب. وإذا هناك حقّاً ما يجاوب، إلّا أنه يملأ فراغاً ليؤسّس جوعاً أعمق من الفراغ: جوعاً إلى المزيد فالمزيد حتّى السراب. عذابُ الحبّ هو هذا. الحبّ ليس رجلاً وامرأة، الحبّ هو الجمال. كلّ جمال يرمي فتنة الحبّ. وعندما يكون الجمالُ جمال صوت يزور كالطيف فيَسْكن الهاجسَ من جذوره، يصبح التعايش معه تعايشاً مع الحلم ـــــ المتاح ـــــ الهارب.
■ ■ ■


يغمرنا الجمال بحدود ما يستطيع. متدفّق لكنّه لا يتدفّق لظامئ واحد. ولو أراد أن يوهَب لمالك واحد لما استطاع. إنّه أسيرُ إشعاعه كما أنت أسير جدرانك. جوعك إليه أعظم من ولائه لك. انعطافه عليك يظلّ يتماوج بين نعمة وحسرة. الجمال الخالي من تناوب هذين الوجهين جمالٌ مشبوه. الحبّ الخالي من ألم الطمع بالمزيد، حبٌّ صغير.
الكاتدرائيّات والتماثيل الضخمة والقصور المنيفة ونجوم الفلك وصَخَب البحر وشسوع الغابات، جمالٌ يَسْحَق. يمكن أن يصبح مصدر إلهام، لكنّه نادراً ما يؤاخي ويصير صديقاً حميماً، ونادراً أكثر أن يغدو حبيباً. الجمال الحبيب يركّعك وهو يعتذر. يُخشّعك ويخشع معك. يبعث فيك الانسحار به ورغبة حمايته.
الجمال الحبيب يرعشك كعصفور في العاصفة، وهو نفسه عصفورٌ في العاصفة.
■ ■ ■
بين جمال يؤنّب ضميرك وآخر يُعفيك من ضميرك، أيّهما تختار؟
■ ■ ■
تتمنّى لو لم تصادف جمالاً يسكنك. لكنتَ حافظتَ على قسوة ظافرة. لما كان تسرّب إليك الضوء الذي يجوّع إلى مستحيله. لما كنت تَعلّقتَ بما يُدمِّر فيك ما كان فيك يُدمِّر. ملاكُ الإنقاذ لطالما استبطن غزاةَ احتلال.
■ ■ ■
يشرق الجمال من وراء حجاب. ظهوره يفاجئ كالهديّة، والمفاجأة الغامرة محبوبة دائماً. بعض الجمال يزداد رونقاً عندما يطلّ من مخبئه، كالقمر من الغيم، لكن الجمال السافر كذلك محجَّبٌ بنوع مختلف من النقاب هو نوره. كلّما نظرتَ إلى وجه جميل شعرتَ بأنّك الآن شرعتَ في رؤيته. تأمّلْ تَعجُّبَ الجميل لكلامك وأنت تتغنّى به. يخاف الجميل أن تملّه، أن يكون إعجابك كذباً أو انخداعاً، لأنّه لا يثق بسرّه. الجميل الحقّ معقّد بنقصه وباحثٌ بلا قرار عن الكمال. وهذا يَضاعف تأثيره. الجمال مَلِكٌ غير هانئ على عرشه، وهذا يضاعف تعلّقنا به.
■ ■ ■
كان لأبي نواس أستاذٌ هو والبةُ بن الحبّاب، غير واضح ما إذا كان إعجابه بشكل أبي نواس وجمال وجهه ونعومة جسمه والتفاف أعضائه ولطف كفّه وأطرافه ولثغه بالراء وبحّة حلقه، أكبر أو أدنى من إعجابه بشعره. روى ابن الحبّاب أنه كان نائماً، وأبو نواس غلامه نائم، إذ أتاه آت في منامه فقال: «أتدري يا والبة مَن هذا النائم إلى جانبك؟». قال: «لا». قال: «هذا أشعر منكَ وأشعر من الإنس والجنّ. أما والله لأفتُنَنَّ بشعرهِ وأغُرَّنَّ أهلَ المشرق والمغرب». قال: «فعلمتُ أنه إبليس، فقلت له: فما عندك؟»، قال: «عصيت ربّي في سَجْدَة فأهلكني، ولو أمرني أن أسجد لهذا ألف سَجْدة، لسجدت».
إبليسُ يسجد لفتنة الشعر: الشرّ يسجد للجمال. «الجمالُ يخلّص العالم» كما قال دوستيوفسكي. يتدفّق الجمالُ من ينابيع لم يتوصّل العقل إلى تعكيرها.
■ ■ ■
نعيش في مجتمع، بل في عالم لا يرحم المرأة. لا العجوز ولا الصبيّة ولا الطفلة. لا المرأة العاديّة ولا المرأة المتميّزة. لا الزوجة ولا العشيقة. لذلك كلّما استوقفني جمالُ امرأة أشعرُ على الفور كأنّها مشروع ضحيّة، ستُعشق وتدلَّل حتّى تؤكل، وما إن تؤكل حتّى يبدأ اضطهادها. مثلما تُرغَب تُنْبَذ. لا نجرّم الرجل، لعلّها طبيعةُ الأشياء. ميزانُ القوى. أسمعُ وأقرأ عن شرّيرات، عن حيّات وعقارب، وعرفتُ بعضهنّ: ولا واحدة حتّى من هؤلاء أيضاً إلّا هي ضحيّة. ضحيّة جمالها وإلّا فبشاعتها. ضحيّة ما تُحَبُّ من أجله وضحيّة ما تُخان بسببه. ضحيّة خصبها وضحيّة عُقْرها. ضحيّة وهجها وضحيّة انطفاء وهجها. ضحيّة عاشقها من بعيد وضحيّة عاشقها من قريب.
أَمَرُّ أعدائها، قبل الزمن، خيبةُ أمل الرجل بها. والخيبة ممكنة كلّ لحظة من المهد إلى اللحد. خيبتها به لا تصيبه كما تصيبها خيبته بها. هي تصاب كأمّ وهو يصاب كوَلَد. هي تُقْتَلَعُ من جذورها وهو ينتقل من حفرة إلى رابية. ما من قهر أقسى على امرأة من تَبخُّر البريق في نظرات رجل انتهى إعجابه بها. تخلٍ مُطْلَق. المرأة، مهما بردت عواطفها حيال الرجل، يظلّ شيءٌ فيها يترأّفُ به. ما عدا الحمقاوات، وما عدا الدونجوانات الحاضرات النسيان. النساء ضنينات بالذكرى عندما يخونهنّ الحاضر. شرّ الشرّيرات ألطفُ من شرّ الأشرار. فيه ماء. غَدْر البحيرة؟ صحيح، لكنّه ماء…
■ ■ ■
يحكي شكسبير في قصيدته «فينوس وأدونيس» عن هيام إلهة الجمال بالإله الفينيقي فيؤنسن عواطفَ الإلهة. لا حدودَ لحرقتها من صدّ الحبيب ولا نهايةَ لتفجُّعها عليه قتيلاً. تشتاقه شوقَ المراهقة المستسلمة وتبكيه بنحيب البشر المغلوبين.
نقَلَ الحبُّ الإلهة من المحلّ الأرفع إلى حال الكائنات العزلاء. الحبّ ينزع الدروع عن الصدور. وهي رؤية تحتمل استتباعاً معكوساً: الحبّ الذي يستطيع أن يؤنسن الآلهة يستطيع أن يُؤَلْهنَ البشر. وفي الحالين نحن أمام معجزتين جماليّتين: جمال الإله الفينيقي الذي فاق جمال نرسيس وأَنْبَتَ دمُه الحياة، وجمال أفروديت فينوس عشتار المفتون بجمال استحوذ عليه، فقوَّلَه وفعَّلَه بعض ما يستطيعه الشغف عندما يلهمه ويلهبه جمالٌ تسجد له الَهَةُ الجمال سجودَ الأودية للسماء.
■ ■ ■
الحسناء أبهى تجسيدات الجمال، بالأخصّ حين لا تكتفي المرأة بالجلوس في جمالها، بل تتوق إلى اكتساب جمال مجهول، يضفي عليها التطلُّع إليه هالةَ اللطافة الوديعة، وانكسار الجلالة إلى خشوعها أمام ما يفوقها، وما تَعْرف هي كم يفوقها.
أَن تقول: الوردة جميلة دون حاجة إلى عيون تراها، أن تقول ذلك معناه أنّك تتجاهل العلائق الخفيّة بين الكائنات وتحسب الوجود وَقْفاً على الإنسان.
من القمّة إلى النحلة، من النهر المتدحرج إلى الشجرة الهادئة، من الكواكب إلى الثعالب، كلُّ شيء يرى كلَّ شيء. العيونُ الخفيّة، العيونُ العاتبة أو المبتسمة، العيون الخفيّة لا تعشق الوردة وحدها، بل تنظر أيضاً إليك…

Advertisements

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s