«البدون»: مشكلة تاريخية تهـدد استقـرار الكويــت

تواصلت لليوم الثالث على التوالي تظاهرات «البدون» التي انطلقت يوم الجمعة الماضي في منطقة الجهراء في شمالي غربي الكويت، وهي التظاهرات الأولى التي تشهدها البلاد منذ بدء موجة الانتفاضات الشعبية في المنطقة.
ووجهت تظاهرة «البدون» يوم أمس بطوق أمني مشدد وإطلاق كثيف للقنابل المسيلة للدموع تلاها اشتباك عنيف بين شرطة مكافحة الشغب الكويتية والمتظاهرين، حيث لجأت الشرطة إلى العنف خلال تفريق نحو 300 شخص سقط جراؤه أكثر من 50 جريحاً.
وأعادت التظاهرات التي نظمتها فئة «البدون» الإضاءة على واحدة من أبرز المعضلات التي تلقي بثقلها على جميع الاعتبارات الاجتماعية والسياسية في بلد يعدّ الأغنى بين بلدان الخليج.
صحيح أن التظاهرات في الكويت تأتي في السياق العربي العام المطالب بالحرية، إلا أن مطالبها تأخذ منحىً خاصاً ومختلفاً تماماً: البدون لا يريدون إسقاط النظام، البدون يريدون الحصول على الجنسية ليس أكثر.

يتساءل الكثيرون عن السبب الرئيسي في وجود عدد كبير من المواطنين الذين لا يحملون هوية أو إثبات مواطنة في الكويت وعلى من تقع مسؤولية تفاقم المشكلة واستمرارها إلى يومنا هذا. لتوضيح الأمر لابد من الرجوع إلى التاريخ السياسي للكويت.
بدأت مشكلة هذه الفئة المهمشة في العام 1959عندما صدر قانون الجنسية في الكويت، وبرزت إلى السطح بشكل واضح بعد استقلال الكويت في العام 1961 إذ لم يعالج القانون أمر من طالب بالجنسية الكويتية بعد هذا التاريخ إلى أن تفاقم عددهم ليقدّر بما بين 220 ألفا إلى 350 ألفا قبل الغزو العراقي للكويت في العام 1990 (وهو رقم يقارب نصف تعداد الكويتيين في ذلك الوقت)، ثم تقلص هذا العدد ليصبح أقل من 120 ألفاً ـ حسب الإحصاءات الرسمية الحالية ـ بسبب سياسة الضغط والتهجير التي تتبعها الحكومة في حق هذه الفئة.
وكانت الحكومة في العقود الثلاثة الأولى من المشكلة تتعامل مع هذه الفئة كمواطنين لحاجتها إلى جهودهم في خدمة البلاد، فكانت تقبل توظيفهم في مختلف وزارات الدولة وكان يقبل أبناؤهم في المدارس الحكومية، ولكن ـ ومع مرور الوقت ـ بدأت الحكومة تتنكر لحقوقهم شيئاً فشيئاً، حيث أصبحت تلك الفئة محرومة من أبسط حقوق العيش الكريم في الكويت، فلا هوية تعريف ولا إذن بالعمل ولا حق بالتطبيب ولا التعليم ولا التزويج ولا غيرها من الحقوق الأساسية الموثقة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
أسباب عديدة وقفت وراء تفاقم مشكلة هذه الفئة كان أبرزها، كما وصفتها العديد من الأصوات المطالبة، قصر فترة الإعلان عن التقدم إلى طلب الجنسية الكويتية، ضعف حملة التوعية الرسمية بأهمية حصول المواطن آنذاك عليها، تأثير العوامل القبلية والطائفية والقناعات الشخصية على سلوك أعضاء تلك اللجان، الأمر الذي ضيّع حقوق الكثيرين من المواطنين المقيمين في البلاد منذ عقود طويلة من الزمن.
من جهتها، تبرّر الحكومة الكويتية موقفها تجاه البدون بالترويج لفكرة أن هؤلاء هم مواطنون من دول عربية أخرى قدموا إلى الكويت في نهاية الستينات وبداية السبعينات للعمل، ثم قاموا بإخفاء جوازاتهم وهوياتهم، رغبة منهم في الاستفادة مما كان يتمتع به البدون من امتيازات. مع الإشارة إلى ان حملة التضييق على البدون وصلت إلى أوجها في العام 2000.
في العام الفائت أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقريراً أدانت فيه الكويت على إساءة معاملة نحو 100 ألف من البدون وقالت إن الدولة لم تعترف بحق هؤلاء الذين يقيمون فيها منذ فترة طويلة بالحصول على الجنسية أو الإقامة الدائمة.
وفي 24 شباط العام 2010 وعد أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد بإيجاد حل لقضية الكويتيين البدون وذلك بعد الاجتماع مع نواب مجلس الأمة، ولكن التظاهرات الحالية تظهر أن أياً من الوعود التي تلقتها هذه الفئة لم تدخل حيّز التنفيذ.
(رويترز، «السفير»)
Advertisements

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s