تشومسكي: الثورة في مصر رائعة وتداعياتها الإقليمية تبدو كبيرة

انتقد الكاتب والاستاذ الجامعي نعوم تشومسكي في مقابلة مع موقع «ديموكراسي ناو» (الديموقراطية الآن) الموقف الرسمي الأميركي من الثورة «الرائعة» في مصر، معتبراً أن الرؤساء الأميركيين المتعاقبين يتعاطون بحسب «كتاب سلوك» محدّد مع ترنّح الدكتاتوريات، تقيّد فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال الأحداث المصرية. واعتبر تشومسكي أنه لا يمكن التنبؤ بالمرحلة المقبلة، مؤكّداً على خصوصية ما يمر به الشرق الأوسط.
وفي حوار مع آيمي غودمان، وتعليقاً على الأحداث المصرية، قال تشومسكي: «إن ما يحدث شيء رائع. ومهما كانت النتيجة، فهذه أحداث لن تنتسى وسيكون لها حتماً تداعيات طويلة الأمد».
وأضاف «إن شجاعة وتصميم والتزام المعتصمين أمر يثير الإعجاب والتقدير. فهم تغلبوا على الشرطة واجتاحوا ساحة التحرير وهم صامدون فيها في مواجهة عصابات مبارك المنظّمة، والتي خلقتها الحكومة في محاولة لصدّ المعتصمين، أو بهدف خلق واقع معين سيضطر الجيش على أثره إلى التحرك لإعادة النظام وفرض حكم عسكري أو شيء من هذا القبيل. ومن الصعب توقع ما سيحدث. غير أن الأحداث تبدو فعلاً مذهلة. وبطبيعة الحال، هي منتشرة في كل أنحاء الشرق الأوسط. في اليمن، الأردن، وغيرها. فالتداعيات تبدو كبيرة».
أما عن الولايات المتّحدة، فرأى تشومسكي أنها «حتى الآن تتبع كتاب السلوك المعتاد. أي كما في الحالات الكثيرة التي خسر فيها دكتاتوريون مقرّبون من الولايات المتحّدة الحكم في بلادهم، أو أوشكوا على ذلك، يتم اعتماد السياسة الروتينية. فمن ماركوس إلى دوفالييه وتشاوشيسكو، والذي دعمه الأميركيون والبريطانيون كثيراً، وسوهارتو، يتم الوقوف إلى جانبه ودعمه لأطول مدة ممكنة، وعندما تخرج الأمور عن السيطرة، أي عندما ينقلب الجيش عادةً عليه، تغيرّ موقفها 180 درجة، وتزعم أنها كانت إلى جانب الشعب منذ البداية، تمحي الماضي، لتقوم بعدها بالخطوات الممكنة لإعادة النظام القديم بوجوه جديدة. وقد تنجح هذه السياسة أو تفشل بحسب الظروف».
وقال تشومسكي إن «هذا تماماً ما يحصل اليوم في الحالة المصرية. فهم ينتظرون ليرون ما إذا كان مبارك قادرا على الصمود، وهو مصمم على ذلك على ما يبدو، وخلال هذه الفترة، يتبنّى الأميركيون الخطاب القائل «يجب أن ندعم القانون والنظام، والتغيير الدستوري» وما إلى ذلك. وفي حال فشل في البقاء في منصبه، أو انقلب جيشه عليه مثلاً، فعندها سيتم اعتماد الخطة المعتادة. في الواقع، إن الزعيم الوحيد الذي كان صريحاً والذي يصبح ـ إن لم يقل أصبح ـ الشخصية المفضلة في الشرق الأوسط هو رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، والذي كان بمنتهى الشجاعة والواقعية».
وتعليقاً على خطاب الرئيس باراك أوباما بعد تحدّثه مع مبارك، رأى تشومسكي أنه «توخّى الحذر في عدم التصريح بشيء». فمبارك موافق أنه يجب القيام بتغيير. لكن أي تغيير؟ حكومة جديدة؟ تعديلات دستورية طفيفة؟… إنها أمور مفرغ منها. فخطاب أوباما إذاً مماثل لخطابات الرؤساء الأميركيين في هذه الحالات. أي هو يتبع كتاب السلوك: عندما يترنح دكتاتور من الحلفاء، يجب دعمه قدر الإمكان، وعندما تخرج الأمور عن سيطرته، يتبدّل الموقف».
وعن العلاقة الأميركية ـ المصرية، رأى تشومسكي أن «الولايات المتّحدة تلعب دورا داعما كبيرا جداً هناك. فمصر تأتي في المرتبة الثانية بعد إسرائيل من حيث المساعدات الأميركية الاقتصادية والعسكرية المقدّمة. كما أن أوباما نفسه هو من أكبر الداعمين لمبارك. ويجدر التذكير أنه وفي حين كان متجها لإلقاء خطابة الشهير في القاهرة، والذي كان من المفترض أن يكون خطاب المصالحة مع العرب، سأله أحد الصحافيين، حول ما إذا كان سيشير إلى ما يسمى حكم مبارك المتسلط. وأجاب أوباما بأنه لن يفعل ذلك، قائلاً إنه لا يحبّذ «تصنيف» الأصدقاء، وأن مبارك رجل طيب وقد قام بأمور جيدة وحافظ على الاستقرار، وأنه سيستمر في دعمه لأنه «صديق»، وما إلى ذلك. إن مبارك من أكثر دكتاتوريي المنطقة إجراماً، ومن المستغرب كيف يمكن لأحد أن يأخذ كلام أوباما حول حقوق الإنسان على محمل الجد. غير أن الدعم الدبلوماسي كان قويا جدا أيضاً. والطائرات العسكرية التي حلّقت فوق ساحة التحرير هي أميركية الصنع طبعاً. والولايات المتّحدة هي الداعم الأقوى والأهم لهذا النظام. فليس الوضع مشابهاً لتونس. ففي الحالة التونسية، تحمّلت فرنسا اللوم الأكبر كونها الداعم الرئيسي لنظام بن علي. أما في مصر، فهذا الداعم الرئيسي هو الولايات المتّحدة، بالإضافة لإسرائيل طبعاً والسعودية. وقد غضب القادة الإسرائيليون، أو على الأقل عبّروا عن غضبهم لعدم اتخاذ أوباما موقف أكثر حزما لدعم صديقهم مبارك».
وحول التداعيات في الشرق الأوسط، وصف تشومسكي الثورة الحالية بأنها من «أكثر الثورات الإقليمية أهمية بحسب ما أذكر».
وتابع: «قد يتم تشبيهها من وقت إلى آخر بأوروبا الشرقية، غير أنني لا أرى أنها مقارنة دقيقة. ففي هذه الحالة ليس هناك من غورباتشيف في صفوف الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الكبرى الداعمة للدكتاتوريات. وهذا فرق كبير. والمفارقة الأخرى هي أنه في حالة أوروبا الشرقية تبعت الولايات المتحدة وحلفاؤها مبدأ تطبيق الديموقراطية إلى حد ما، بما يتطابق ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وهو أمر حسن بشكل عام. وهذا ما يمثل فرقاً رئيسياً بين الحالتين. وقد يكون التشبيه المتطابق الوحيد، الحالة الرومانية، مع تشاوشيسكو، وهو أشرس دكتاتوريي المنطقة، والذي كان مدعوماً بقوة من قبل الولايات المتّحدة حتى النهاية. وعندما حدث الانقلاب عليه وقتل، تبع الرئيس جورج بوش الأب السياسة المعتادة: التصريح بأنه كان إلى جانب الشعب ومعارضاً للدكتاتورية، محاولاً استكمال العلاقات الوثيقة.
أما عن الوضع الجديد الذي قد تشهده المنطقة، قال تشومسكي إن «لا أحد يعلم إلى أين قد تؤول الأمور. فالمشاكل التي يطالب المتظاهرون بإصلاحها هي عميقة وتتطلب تغييرات جذرية. ولن يكون من السهل إيجاد الحلول لها. فهناك فقر مدقع، قمع، وليس نقص في الديموقراطية فقط».
ورأى أن «مصر وغيرها من دول المنطقة تمر في مرحلة نيوليبرالية أظهرت نموا على الورق، وما يرافقها من تداعيات: تركّز شديد للثروات، وإفقار كبير وتهميش لغالبية المواطنين»، مؤكّداً أن «هذه ألامور لا تتغير بسهولة».

Advertisements

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s